عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 50
خريدة القصر وجريدة العصر
أول ما استقرّ الكامل في قصره ، وفي خروجه مع الكامل في بعض نزهه ببرج المقسم « 1 » وحضور سماطه للأمراء والأعيان وإنشاده هناك شعرا عذبا رقيقا في مدحه « 2 » . كما شهد بعد زمن قصير من هذا الزفاف زفافه عرش مصر إلى نفسه وابنه هذا من بعده ، انتزاعا من حفيد أخيه السلطان صلاح الدين : الملك المنصور بن الملك العزيز بن صلاح الدين ، وهو مربّيه ومدبّر دولته والأمين على ولايته ، فخامر عليه ونقل ملكه إلى نفسه ، وخطب الخطباء على منابر المساجد له ولابنه الكامل ليس بعد الدعاء للخليفة العباسي ببغداد الا الدعاء لهما . ثم بدت - آخر العام - في الأفق نذر كوائن هائلة ، فهبط النيل هبوطا لم يعهد مثله في الإسلام الا مرّة على حين كان مرجوّ الزيادة مأمول الوفاء على العادة ، وإذا لم يزد النيل الزيادة التي تركب الأرض تعذّر على الناس الزرع ، فاشتدّ بالديار المصرية الغلاء ، وتعذّرت الأقوات ، حتّى أكل الناس الميتة ، وأكل بعضهم بعضا ، وجرت أمور تتجاوز الوصف ، ثم لحقهم على ذلك وباء وموت كثير أفنى الناس . حدث ذلك في ذي الحجة ، وامتدّ إلى منتصف سنة 597 ه ، فأجفلت الخلائق حذر الموت إلى المغرب والحجاز واليمن والشام ، وهرب العماد فيمن هرب إلى الشام . وقد روى عنه سبط ابن الجوزي في مرآة
--> ( 1 ) برج المقسم : أغفله ياقوت في مظانه من حرفي الباء والميم من معجم البلدان ، وذكره العماد في « خطفة البارق » ووصفه وصفا جيدا فقال ، وقد ركب اليه مع الملك الكامل يوم الخميس السابع والعشرين من شوال سنة 596 ه : « والمقسم : موضع على شاطئ النيل يزار ، وهناك مسجد يتبرك به الأبرار . وهو المكان الذي قسمت فيه الغنيمة عند استيلاء الصحابة - رضي اللّه عنهم - على مصر . ولما أمر صلاح الدين - رحمه اللّه - بإدارة السور على مصر والقاهرة ، وتولاها الأمير قراقوش ، جعل نهايته التي تلي القاهرة عند المقسم ، وبنى فيه برجا هو مشرف على النيل ذو شرفات ، ومعقل ذو طبقات ، وثيق البناء ، رفيع الفناء . وبنى مسجدا جامعا ، واتصلت العمارة منه إلى البلد ، متتابعة المدد . وهو متنزه ، عن الأكدار والأقذار منزه ، وبالجنات مشبه ، وإلى البحر والبر بمناظرة الشبابيك موجه » . ( 2 ) قال في أوله : مغرم القلب مدنف * وجده ليس يوصف وعدونا وأخلفوا * ووفينا ولم يفوا